ArabicChinese (Simplified)DutchEnglishFrenchGermanItalianPortugueseRussianSpanish
                               

أزمات مزدوجة: كيف أثر فيروس كورونا على القارة الافريقية..

بقلم: هند فراج رشوان

باحثة في العلوم السياسية 

فيما كانت تتنامى الآمال مع مطلع العام 2020 لتلتقط أفريقيا أنفاسها، حتى داهمها فيرس كورونا وقوض انجازاتها التي حققتها بصعوبة، وبينما تتصارع أوروبا والولايات المتحدة والصين للتعامل مع آثار كورونا تستعد افريقيا لإضافة فيروس كورونا إلى قائمة طويلة من التحديات التي تواجهها القارة بالفعل في سياق انتشار الفقر والإرهاب وتغير المناخ، كاختبار للحكومات الافريقية التي باتت تواجه خيارات صعبة لإدارة أزمة لا أحد يعلم متى وكيف ستنتهي.

اتخذت البلدان الأفريقية عدة تدابير احترازية لمكافحة تفشي الفيروس، ويبدو أن تدابير العزل والوقاية ليست هي الطريقة الصحيحة أو حتى الممكنة لشعوب تعتمد على العمل اليومي لكسب قوتها نظرا لتكلفتها العالية سياسا واقتصاديا وأمنيا، فالتأثير الاقتصادي لتقييد الحركة أشهر متتالية سيكون مدمرا ومكلفا في ظل توقعات باستمرار الجائحة لأكثر من عام حتى يصبح اللقاح متاحا.

أولا: تطور انتشار الفيروس في افريقيا

على غرار دول العالم بدأت افريقيا تشهد تزايد ملحوظ في حالات الاصابة بكورونا، فحتى وقت كتابة هذا التقرير، بلغت حصيلة القتلى المؤكدة من الفيروس 3,095 بمن فيهم الرئيس الأسبق لجمهورية الكونغو الديمقراطية يومبي اوبانجو ورئيس الوزراء الصومالي الاسبق نور حسن حسين وفقا للمركز الافريقي للسيطرة على الامراض والوقاية منها، فيما بلغ عدد الإصابات المؤكدة 99,977، و 39,336 حالة شفاء.

“الزموا منازلكم” و “أغلقوا كل شيء” رسالة تم توجيهها إلى جميع السكان في جميع انحاء العالم باعتبارها التدابير الرئيسية لتجنب انتشار الفيروس وتسطيح المنحنى الذي ينطوي على ابطاء معدل الاصابة بحيث يتم تقليل عدد المرضى المصابين مما يسمح بزيادة سعة المستشفيات، وتفترض هذه الاستراتيجية وجود ثلاثة عناصر:

  • امكانية التباعد الاجتماعي
  • امكانية الحصول على المياه النظيفة.
  • أنظمة رعاية صحية متطورة.

لكن الوضع في افريقيا ليس مشرقا لهذا الحد، ولا تتمتع الدول الافريقية بهذه الرفاهية في الاختيار فأكثر من 70% من الافارقة يقيمون في أحياء فقيرة  مزدحمة حيث يعد الحصول على المياه النظيفة حلما بعيد المنال، والتوقف عن العمل سيشكل تهديدا وجوديا بالنسبة للأفارقة الذين يعيشون على أقل من 5 دولار في اليوم، أضف الى ذلك الانظمة الصحية التي تتسم بالهشاشة وتعاني من نقص شديد في الموارد.

في السياق ذاته، قدرت منظمة الصحة العالمية أن نحو 44 مليون نسمة من القارة التي يبلغ تعداد سكانها 1.3 مليار نسمة قد يصابوا خلال العام الأول للجائحة، رغم التركيبة السكانية الشابة لافريقيا، وحذرت من أن الفيروس قد يؤدي إلى وفاة ما يصل إلى 300 ألف شخص في القارة خلال نفس الفترة.

ثانيا: التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا:

ان افريقيا جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي وعلى هذا النحو فإن الانكماش الاقتصادي المرتبط بالصين واوربا واميركا فرض تداعيات سلبية عديدة على الاقتصادات الافريقية، يمكن تحديدها في عدد من النقاط الرئيسية على النحو التالي:

1. الناتج المحلي الاجمالي: على الرغم من النمو المطرد على مدى العقدين الماضيين، لا تزال الاقتصادات الافريقية عرضة للصدمات الخارجية، وفي تقريرها الصادر في مارس 2020 أعطت اللجنة الاقتصادية لافريقيا التابعة للأمم المتحدة توقعات قاتمة للقارة، فمن المتوقع أن تخسر افريقيا نصف ناتجها المحلي الاجمالي البالغ 2.1 تريليون دولار نحو 1.4%  بسبب الفيروس، وسينخفض النمو الاقتصادي من 3.2% الى1.8%، ومن المرجح أن تدخل القارة للمرة الأولى منذ عقود في حالة من الانكماش الاقتصادي في حدود 2.6% بنهاية عام 2020.

2. قطاع النفط: توقعت التقارير أن يمنى هذ القطاع بخسائر قدرها 65مليار دولار اميركي في ظل انخفاض اسعار الخام، وتوقعت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا انخفاض عائدات صادرات أفريقيا من الوقود بنحو 101 مليار دولار أمريكي في 2020.

3. التجارة الخارجية والصادرات غير النفطية: من المتوقع أن تكون الصادرات الافريقية أكثر القطاعات تأثرا بالأزمة حيث انخفضت أسعار الصادرات بنسبة 67 % وانخفض سعر القطن والمنسوجات بنحو 26% وتراجعت أسعار المعادن بنحو 20%، وذلك سيقلل إلى حد كبير من عائدات الحكومة في وقت تشتد الحاجة فيه إلى التمويل العام لمواجهة زيادة الانفاق الصحي وتقليل التأثير على الشركات والوظائف وبالتالي تفاقم عجز الميزانية الآخذ بالاتساع بالفعل.

4.الاستثمارات الصينية في افريقيا: العلاقة بين الصين وافريقيا علاقة من نوع خاص ومن الواضح أن ما يحدث لاقتصاد الصين سيؤثر على العالم بشكل عام وافريقيا بشكل خاص فهي أكبر شريك تجاري ومستثمر لافريقيا، وقد أدى تفشي الفيروس إلى تعثر الاقتصاد الصيني بما يترتب عليه من تباطؤ مشاركة الصين في النمو الاقتصادي لافريقيا على المدى القريب والمتوسط.

5.الديون السيادية: حسب اللجنة الاقتصادية لافريقيا التابعة للامم المتحدة تحتاج القارة إلى حزمة اقتصادية طارئة بقيمة 100 مليار دولار لمكافحة تأثير المرض ويمكن أن يأتي نصف تلك الحزمة عن طريق التنازل عن قيمة فوائد الديون ويقدر الصندوق الدولي احتياجات افريقيا خلال العام 2020 ، بنحو 114 مليار دولار للانفاق على الخدمات الصحية والاجتماعية التي ستنتج عن الاستمرار في سداد الديون الضخمة على القارة، ومن غير الواضح كيف ستسجيب بكين لنداءات تخفيف الديون وسط التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا.

6.الأمن الغذائي: بحسب احصائيات الأمم المتحدة، تضم افريقيا غالبية ال212مليون شخص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي المزمن، ويعيش نحو 95 مليون وسط انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتشير التقارير إلى أن السكان المعرضين لخطر المجاعة يواجهون ارتفاعا مطردا في أسعار الغذاء وانخفاضا في وفرة بعض المواد الغذائية الأساسية بسبب تدابير الإغلاق العام وانقطاع سلاسل توريد المنتجات الغذائية والزراعية.

7.معدل الفقر: تقع الغالبية العظمى من أفقر بلدان العالم في القارة الأفريقية حيث يعيش اكثر من 40% من سكان افريقيا جنوب الصحراء في فقر مدقع، ويقدر عدد الفقراء  ب400 مليون نسمة، وتوقعت دراسة للاتحاد الافريقي أن نحو 20 مليون وظيفة في القارة مهددة بالدمار في القطاعات الرسمية وغير الرسمية، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، وبالتالي فإن فرص تدابير العزل في مثل هذا السياق ليس مستحيل عمليا فحسب بل سيؤدي الى نتائج عكسية، فالأفارقة بحاجة الى العمل يوميا للبقاء على قيد الحياة لانه اذا لم يمت من المرض سيموت من الجوع.

من المؤكد أن افريقيا لن تكون قادرة على مواجهة الفيروس وحدها وربما تراهن الحكومات الافريقية على تبني انشطة متنوعة لتعويض الخسائر وربما تراهن ايضا على استمرار الدعم من حلفائها الدوليين والمنظمات الدولية ولكن استمرار الازمة قد يضاعف من التحديات التي يواجهها الاقتصاد الافريقي على نحو قد لا تجدي معه المساعدات الاقتصادية الخارجية.

ثالثا: التداعيات السياسية لفيروس كورونا

كما سبقت الاشارة فإن فيروس كورونا لم يتضمن فقط خسائر اقتصادية للقارة وانما كانت هناك أبعاد سياسية أخرى يمكن الإشارة إليها في النقاط التالية:

1.التأثير على نمط التحالفات الدولية والاقليمية : تغير ديناميكات القوة وتغير المصالح الاستراتيجية لكل من افريقيا والصين قد يترك الباب مفتوح لقوى أخرى كالسعودية والهند واليابان وتركيا لسد الفجوة ووضع أنفسهم كشركاء بديلين للتنمية في القارة الافريقية. 

2.الدبلوماسية الصينية وفخ الديون: إن اكثر ما تفوقت فيه الصين على نفسها استخدام الادوات الاقتصادية لتعزيز مصالحها الجيواستراتيجية، فحوالي 20% من اجمالي الديون الخارجية للحكومات الافريقية مصدرها الصين اي اكثر من نصف اجمالي الديون السيادية الافريقية المستحقة للحكومات الاجنبية.

3.حالة الطواريءوالانتخابات: سخرت بعض الأنظمة الحاكمة حالة الطواريء لتضييق الحريات بحجة ردء المخاطر الصحية، فالعديد من الحكومات ستجد انه من المغري استخدام كورونا لترسيخ حكمها وتأخير الانتخابات وحظر الاحتجاجات لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، ففي أثيوبيا على سبيل المثال لا الحصر أعلن رئيس الوزراء الاثيوبي أبي أحمد تأجيل الانتخابات التي كان من المقرر اجرائها في اغسطس 2020 لأجل غير مسمى.

4.أزمة الثقة بين الحكومة والمواطن: يثير فرض الاغلاق القسري خطر الاشتباك مع قوات الامن وزيادة التوتر والتخريب على نطاق واسع، ففي دولة جنوب افريقيا استخدم الرئيس رامافوسا الرصاص المطاطي ومدافع المياه لفرض الاغلاق وفي كينيا تم استخدام الغز المسيل للدموع لتطبيق قيود مكافحة كورونا، وهو ما جعل بعض المجتمعات في افريقيا تتشكك في الحملات الحكومية ودوافعها خاصة اذا شعرت بأن الحكومة لا تمثل مجتمعها بل تقصيهم.

5.خلق أنظمة شمولية تتمتع بقدر اكبر من التسلط والمراقبة والانغلاق. 

6.انعدام الاستقرار السياسي: شملت قائمة ضحايا كورونا في قارة افريقيا مسؤولين سياسيين وشخصيات ذات نفوذ واسع وهو ما قد يؤدي إلى المزيد من الفوضى السياسية وبروز صراعات جديدة من أجل السيطرة على السلطة وأجهزة الدولة.

رابعا: التداعيات الأمنية لفيروس كورونا

بينما يصارع العالم تبعات انتشار فيرس كورونا تزداد المخاوف حول امكانية استغلال الجماعات الإرهابية فترات الفوضى والفراغ الأمني في القارة لتكثيف نشاطاتها من خلال: 

  • استغلال التنظيمات الارهابية انشغال الحكومات لثغرة انتشار فيروس كورونا كفرصة لإعادة بناء صفوفها وتنظيم نفسها.
  • تجنيد اتباع جدد عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة العزل ومحاورة الاشخاص المستهدفين الكترونيا واستخدام سياسة الاغراء المالي لتجنيدهم لا سيما أن من تداعيات الجائحة اقتصاديا ارتفاع نسبة البطالة والفقر.
  • تنامي نفوذ الجماعات الارهابية لتراجع التعاون الدولي المكافح للتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش فرع افريقيا.
  •  تقليص بعض القوى الكبرى لعدد قواتها المتمركزة في مناطق تشهد صراع مع الجماعات الارهابية أو سحبها باكملها، ففي كينيا أعلنت بريطانيا انسحاب قواتها، فيما قلصت واشنطن قواتها المتمركزة في منطقة الساحل الافريقي.

وختاماً يمكننا القول، إن افريقيا قارة بها أكثر من 50 دولة شديدة التنوع وأي تحليل يعمم على القارة بأكملها يعتبر عاما وسطحيا ويفتقر إلى اختلافات مهمة وبالتالي من الأهمية بمكان مراعاة الأنماط الديمغرافية الخاصة بكل دولة ليس فقط من أجل الشفافية ولكن أيضا لتحسين تدابير الاستجابة بما يتناسب مع الاحتياجات المحلية، ورغم ذلك يمكن للقادة الأفارقة العمل بانسجام في مكافحة العواقب السياسية والاقتصادية للوباء كالآتي:

  • حماية العاملين في مجال الرعاية الصحية أولوية أساسية، وتدريب الأطباء والممرضات على كيفية منع انتشار العدوى من مريض لآخر ومن مريض لعامل رعاية صحية. بالإضافة إلى زيادة المختبرات الوطنية ومدها بوسائل الاختبار وتدريب فنيي المختبرات، فعلى الرغم من وجود 1.3 مليار نسمة في قارة أفريقيا لا يوجد سوى 6 مختبرات مجهزة لاجراء التحاليل الخاصة بالفيروس.
  • ترك المجتمعات تقترح أفكارها الخاصة حول كيفية السيطرة على انتشار الفيروس مع توفير أكبر قدر من المعلومات للجمهور حول طبيعة الفيروس.
  • الاعتماد على الدروس السابقة في إدارة الاوبئة مثل فيروس ايبولا وفيروس نقص المناعة المكتسبة أمر حيوي للحصول على استجابة فعالة.
  • يبين لنا التاريخ أن التعاون عبر الحدود ينشأ غالبا أثناء الأزمات الكبرى أو بعدها، فقد دفعت الحرب العالمية الأولى إلى إنشاء عصبة الأمم، وتشكلت الأمم المتحدة في اعقاب الحرب العالمية الثانية، وتعد منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية التي تم التوقيع عليها مؤخرا فرصة لتطوير التعاون على المستوى القاري من خلال تعزيز التجارة البينية خاصة في مجال الأدوية والأغذية والمنتجات الزراعية.
  • الصدمات الاقتصادية المشتركة تتطلب جهد مشترك  لذا لا بد من التفكير على وجه السرعة في خطة أفريقية شاملة للاغاثة من الكوارث وزيادة أنظمة الحماية الاجتماعية لضمان الاستعداد للأزمات المستقبلية.

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “أزمات مزدوجة: كيف أثر فيروس كورونا على القارة الافريقية..”

  1. عبقرية ..تحليل عميق ما شاء الله مكانه مجلة بوزن السياسة الدولية …بالتوفيق ومزيد من الارتقاء يا استاذة..

اترك رداً

< ?php if(function_exists('the_views')) { the_views(); } ?>